يحيي بن حمزة العلوي اليمني
180
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
أنى كنت في ذلك كمن شد خلّة ، واستشفى من علة بعلة ، فما ظنك بمن يصطلى نار الأشواق ، وقد قنع من أخيه بالأوراق ، فضنّ عليه بالأوراق . فبينا هو يتكلم في وصف البرد إذ خرج إلى وصف الأشواق . ومما ورد في التخلص من المنظوم قول أبى الطيب المتنبي في بعض قصائد : خليلىّ إني لا أرى غير شاعر * فلم منهم الدعوى ومنّى القصائد فلا تعجبا إنّ السيوف كثيرة * ولكنّ سيف الدولة اليوم واحد « 1 » فانظر كيف تخلص من الغزل إلى المديح بأحسن خلاص وأعجبه . كما ترى ، ومن عجيب ما جاء به في كلامه هذا ، هو أنه جمع بين مدح نفسه ومدح سيف الدولة في بيت واحد ، وهو من بدائعه المأثورة عنه في غير موضع ، ومن ذلك ما قاله أبو تمام في بعض قصائده : خلق أطلّ من الربيع كأنّه * خلق الإمام وهديه المتيسّر في الأرض من عدل الإمام وجوده * ومن الشّباب الغضّ شرح يزهر ينسى الرياض وما يروّض فعله * أبدا على مرّ الليالي يذكر فهذا وأمثاله من لطائف التخليصات وأعجبها ، والشعراء يتفاوتون في هذا الباب ، فربما اختص بعض الشعراء بالإجادة في شعره من جزالة ألفاظه ، ودقة معانيه ، لكنه مع هذا لم يفق في التخليص كما فاق غيره من الشعراء كما يحكى عن البحتري ، فإن مكانه في الشعراء لا يجهل ، وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريبا ضوأها ، بعيدا مكانها ، أو يكون كالقناة ، لينا مسّها ، خشنا سنانها ، وقالوا أيضا إنه في الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب ، وعنقاؤهم في الإغراب ، ومع ما حكيناه فإنه لم يجد في التخليص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا على وجه لا ملائمة بينه وبين الأول ، وله مواضع قليلة أحسن فيها التخلص ، لكنها حقيرة بالإضافة إلى ما أساء فيها الخلاص . ومن أعجب ما يذكر في مثال التخلص ما حكاه ابن الأثير : أن قرواشا الملقب بشرف الدولة ملك العرب صاحب الموصل ، اتفق أنه كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء ، وفي جملتهم رجال منهم البرقعيدى وكان مغنيا وسليمان بن فهد ، وكان وزيرا ، وأبو جابر ، وكان حاجبا ، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو هؤلاء ويمدحه فأنشد هذه الأبيات ارتجالا قال فيها :
--> ( 1 ) البيتان في الإيضاح ص 372 .